Google search engine
الرئيسيةأفريقيا حين يبتلع الرمل أبناءه… غياب الدولة أكبر من هوة المقلع

 حين يبتلع الرمل أبناءه… غياب الدولة أكبر من هوة المقلع

في أقصى الشمال الموريتاني، في تلك الرقعة المنسية التي تسمّى الراية قرب بير أم أكرين، وقع حادث جديد يضيف دمًا إلى سجلّ طويل من المآسي. انهار مقلع للتنقيب الأهلي عن الذهب، فطوى حياة أحد المنقبين بين طبقاته القاسية، وترك آخر محمولًا على أيدي رفاقه، تتنازع جسده جراحٌ يئنّ منها بعد أن أُخرج من تحت ركام الصخور. حادثٌ ليس الأول، ولن يكون الأخير ما دام المشهد محكومًا بالفوضى، وما دامت الأرواح تُقدَّم عربونًا لذهب لا يعرف سوى الافتراس.

إنّ التنقيب الأهلي في موريتانيا تحوّل، بفعل الإهمال وغياب التنظيم، إلى مغامرة تشبه العبور فوق فوهة بركان. ورغم أن آلاف الشباب يلجأون إليه هربًا من البطالة وانسداد الأفق، إلا أنّ هذا “الأمل المأجور بالخطر” بات شبيهًا بحبل نجاةٍ مقطوع. فالمناطق التي يندفع الناس إليها بحثًا عن بريق الذهب لا تخضع في معظم الأحيان لأي رقابة هندسية، ولا قواعد أمان، ولا تجهيزات إنقاذ. مجرد حُفر عشوائية في أرض هشّة، يغامر فيها المنقبون بأجسادهم لا بمهاراتهم.

وما يزيد المأساة قتامة أن الضحية الأخيرة، كما هو الحال في معظم الحالات، لم تسقط بسبب قوة قاهرة، بل نتيجة طرق خطرة تعتمد على “تليين الصخور بالغاز”، وهي وسيلة تنقيب بدائية أشبه بوصفة انتحار معلنة. فاللهيب يخلخل جدران الحفرة، ويحوّلها إلى مصيدة تنهار عند أول خطأ، أو عند أول وهلة يظن فيها المنقب أنه اقترب من مبتغاه.

وحين ينهار المقلع، لا تصل الدولة أولًا، بل يصل المنقبون أنفسهم، حفاة المعدات، يحفرون الأرض بأيديهم، وينتشلون جثثًا كان يمكن أن تُنقذ لو كانت هناك فرق متخصصة، أو نقاط تدخل سريع، أو حتى قوانين تفرض على المنقبين احترام أبسط قواعد السلامة.

من المؤلم حدّ الغضب أن الحوادث تتكرر، ومع ذلك لا يظهر في الأفق أي تحول جذري. الإحصاءات تتزايد، القصص تتشابه، والنهايات واحدة. وما تزال الجهات المعنية، رغم تحذيراتها المتكررة، عاجزة عن تحويل تلك التحذيرات إلى سياسة فعلية. نحن بحاجة إلى أكثر من بيانات رسمية؛ نحن بحاجة إلى دولة حاضرة، تُشرّع، وتراقب، وتعاقب، وتبني منظومة لا تسمح بأن يُدفن شاب تحت الأرض لأن قَدره ساقه إلى لقمة عيش مدفونة في الرمل.

لقد أصبح التنقيب الأهلي مرآة تعكس أخطر أوجه الاختلال في بلادنا: اقتصاد هشّ، شباب يغامر بحياته، وسلطة تتأخر دائمًا خطوة عن الكارثة. وما حدث في مقلع “الراية” ليس مجرد انهيار حفرة، بل انهيار ثقة مواطنين شعروا—مرة بعد أخرى—أن حياتهم لا تساوي سوى ما يخرجونه من غبار الذهب.

إن صمتنا أمام هذه المآسي جريمة موازية، والردع الحقيقي يبدأ حين نُدرك أن الإنسان أهم من الذهب وان الدولة التي تسمح بارك مواطنيها يموتون في حفر عشوائية تفقد جزءا من معناها.            ولن ينهض هذا الملف إلا لموقف وطني صارم يعيد ترتيب الأولويات :حياة البشر اولا…وما عداها وبعدها  تفاصيل.

بقلم: سيداتي بيدا

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

محمد بوي جالو على AKHBAR224
Amadou على AKHBAR224
موسى كوندي الغيني على تفكيك خلية إرهابية في غينيا