*لماذا تقدّم مسلمو الأمس* و *تأخّر مسلمو اليوم* ؟
هذا سؤال يجب على كلّ من مسلمي العصر أن يطرحه على نفسه، و يختار له أنسب الأوقات ؛ علّ الجواب يواتيه دون أن يطول به سفر التفكير.
لماذا تقدّم المسلمون الأوائل؟ أنا سأرعف مرعف يراعي، محاولا جلب الجواب عن هذا السؤال الخطير.
تقدّم المسلمون الأوائل، و فتحوا نصف الكرة الأرضيّة في غضون خمسين عاما، سلاحهم الكتاب و السيف، الكتاب في اليمنى و السيف في اليسرى. لا يخطرون ببال كافر إلّا و ينتابه الخوف، و يتملّكه الهلع مع طول ما يفصله منه من مسافة، و لا يعاينه إلّا و يفقد كلّ معقوله، و يكاد يذوب من شدّة الخوف. أ تظنّ أنّ الله وهب لهم هذا الفضل دون أدنى مزيّة فيهم؟ كلّا، ما حصلوا على العزّة التي تحدّث الله -عزً و جلّ- عنها في قوله:# و لله العزّة و لرسوله و للمؤمنين#، و لم يتحفهم بالنصر الذي قطعه على نفسه في قوله:# و كان حقّا علينا نصر المؤمنين# إلّا جزاء تمسكهم بجوهر عقيدتهم، و اتخاذهم محمدا- عليه السلام- قدوة لهم في شتّى مجالات الحياة، لا يتقدّمون عليه لا بقول و لا بفعل، لا وزن لأذواقهم و لا لأهوائهم أمام قوله و سنًته.
رأوا قوّتهم و جلدهم في الإسلام فتعلقوا بأهدابه، و رأوا عزّتهم باقتفاء نبيّهم، فحكّموه في كلّ ما دقّ و جلّ من وقائع الدهر و مستجدّات الحياة.
أمّا إذا رجعت معك إلى الطرف الثاني من السؤال، و هو: لماذا تأخّر مسلمو اليوم؟
أقول: تأخّر مسلمو اليوم؛ لأنّهم لم يتمسّكوا من الإسلام إلّا القشور، و فضّلوا القول على العمل، و ظنّوا أنّهم إن أعلنوا أنّهم مسلمون فقد قاموا بأسنى المطالب و أغلاها. فغيّروا ما بأنفسهم من أخلاق كريمة، و شيم نبيلة، و عقيدة سليمة من الشوائب، و رجوا من الله ألّا يغيّر ما بهم من نعم، و ألّا يبدّلهم الضعة و الذّل بالعزّة و النصر. و هذا ظنّ ليس في محلّه. فالله أنذرهم بهذا، و توعّدهم بتغيير نعمه، إذا تجرّءوا على الحياد عمّا رسمه لهم شرعه الحنيف، من إيمان، و أخلاق ، و آداب فقال:# إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم #. فالعدل الإلهي يقتضي أن لا يحظوا بالعزّة التي حازها السابقون، و أن لا يؤيّدوا بالنصر الذي أيِّدَ به من ساروا على وفق شرع الله في ما غبر من الزمان.
فسرّ تقدّم الأسلاف تمسّكهم بجوهر عقيدتهم، و تعلّقهم بلباب ديانتهم. و سرّ تأخّر الأخلاف و خذلانهم فقدان سرّ تقدّم الأسلاف.
و الله يؤيّد بنصره من يشاء.
عبد الرّحمن السيبريّ باه/ الطالب الباحث في مرحلة الدكتوراه، تخصص البلاغة والنقد

